|
معوقات المجتمع المدني: القبيلة أنموذجاً
08-26-1428 11:07 PM
معوقات المجتمع المدني: القبيلة أنموذجاً !
يُخيل إليّ أن القبيلة بمفهومها الاجتماعي الذي نعرفه أحد معوقات نشوء المجتمع المدني الذي ننشده باعتبارها حالة انكفاء ذاتي ذات نمطية فكرية ضيقة تأبى الانخراط في عالم المجتمع المدني بمؤسساته ونظمه وأدبياته المتقدمة.
وفي زمن كزمننا، زمن (العولمة)، والتكتلات الكبرى التي تصنعها الحكومات لمواجهة غوائل الغد القادم، الذي لا مكان فيه إلا للأقوياء، والمؤمنين بالوحدة، والاندماج في الكيانات العملاقة.. لازال البعض منّا يؤمن بحق (القبيلة) في تشكيل وعيه، وثقافته، وعلاقته بالاخر. هذه الترسبات (الماضوية) هي إحدى علاتنا التي لم ننفك من ربقتها كمجتمع ينشد التقدم والتطور، فما زال البعض منا ينبش (أضابير) الماضي المخجل ماضي التخلف، والقتل المجاني، والتفاخر بالأنساب، حتى باتت القبيلة عند (بعضنا) منافساً للوطن، وأصبح الولاء لها والفخر بالانتماء إليها يتعدى حدود الانتماء للوطن الكبير الذي أسسه «صقر الجزيرة» الملك عبدالعزيز «رحمه الله» ككيان شامخ ذابت فيه وانصهرت القبائل والأعراف. لقد كان الفخر بالقبيلة مفهوماً جاهلياً بائداً قرأناه في تراثنا القديم وعرفنا أنه:
إذا غضبت علينا بنو تميم
رأينا الناس كلهمو غضابا
وعرفنا الفخر الحقيقي للمواطن ليس بانتمائه
القبلي بقدر ما يكون لدوره الفاعل كيف ظلت «تغلب» أسيرة لقصيدة عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلين
بل أكثر، فقد تعاطفنا مع الضحايا الذين سقطوا وداستهم أقدام الخيول الجامحة في داحس والغبراء (يا للسخف!!).
ولكننا بالمقابل عرفنا أن الإسلام نبذ «القبلية»، وجاء بمفهوم جديد يقوم على التقوى «إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «أنت امرؤ فيك جاهلية.. دعوها فإنها منتنة».
المهم لدينا الآن وقد دلفنا إلى بوابة القرن الواحد والعشرين أن نراجع بعض أخطائنا، وعاداتنا القديمة ونخضعها لسلطة العقل، وينبغي ألا يسيطر انتماؤنا القبلي على انتمائنا للوطن ككل بقبائله وناسه وترابه وكم سنفرح لو أصدرت وكالة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية أمراً بحذف الانتماء للقبيلة من هوية المواطن السعودي إذ يكفي أن يكون المرء منّا مواطناً من أبناء المملكة.
وفي تقديري الشخصي أن نبش وإعادة «أمجاد» القبيلة قد ساهم فيه بعض الكتاب (الفاضين) الذين امتهنوا سرد قصص وبطولات القبائل، وكذلك الشعراء الشعبيين الذين لم يكتفوا بأن أفسدوا على ناشئتنا ذائقتهم الأدبية، ولغتهم العربية، بل راحوا يمجدون القبائل المختلفة «وعلى مقدار ما تدفع يكون المدح!!».
ولعل من الملفت افتخار القبيلة بوصول أحد أبنائها إلى مركز قيادي ظناً منها بأنه سيكون المفتاح السحري لحل مشاكلهم.
أرجو ألا يفهم من كلامي هذا أنني ضد «القبيلة» كحالة اجتماعية فاعلة، ترفد بنيان المجتمع، وتساهم في درء المخاطر المحدقة به.. فنحن -شئنا أم أبينا- أبناء لتلك القبائل بشرائحنا المختلفة، ونشعر بالاعتزاز لانتمائنا إليها، ولعل دورها الملموس في مساندة الدولة من خلال التبرؤ من بعض أبنائها المنخرطين في أتون «الفكر التدميري» وشجبها للأعمال الإجرامية التي قاموا بها.. تعزز مفهوم الانصهار الذي ننادي به، وتدل على إحساسها بمسؤولياتها تجاه الوطن الكبير، واستشعارها بالمخاطر المحدقة به فالوطن فوق القبيلة، والوطن بمساحته الشاسعة هو الوعاء الحقيقي الذي يحتضن كل قبائل المجتمع وشرائحه.
وفي تقديري.. أن الفخر الحقيقي للمواطن ليس بانتمائه القبلي بقدر ما يكون لدوره الفاعل في تطور المجتمع والارتقاء به.
الفخر الحقيقي للساهرين على حماية الوطن، وللعاملين بإخلاص من أجل وطن قادر على أن يوجد له مكاناً بين الأمم المتقدمة.
تركي العسيري
تلفاكس: 076221413
|
خدمات المحتوى
|
تركي العسيري
تقييم
|