|
حريق الجوف: حريق الثقافة.. والوطن
03-19-1431 12:54 PM
شتيوي الغيثي
للمرة الثانية ، بعد حول كامل تقريباً ، تعود أحداث الجوف إلى الواجهة الثقافية وإلى صدارة الفعل الثقافي محلياً بسبب عملية إحراق مبنى نادي الجوف الأدبي. هذا النادي الفتي والذي عرف أن طريق الثقافة والأدب وحرية الرأي مليئة بالأشواك المتراكمة وعليه أن يزيح الكثير منها حتى يستطيع وضع قدميه في مسيرة الثقافة المحلية، الثقافة المختطفة من قبل مجموعة من الأشخاص ظنوا أن في مقدورهم إيقاف حركة التاريخ عن المضي في طريقها. طبيعي أن تكون هناك خسارات فادحة لكن الحياة تسير كما توجهها يد التاريخ.
العام الماضي كانت حادثة الإحراق بسبب الاعتراض على مشاركة الزميلة العزيزة حليمة مظفر في أمسية شعرية مع شاعرين آخرين على الرغم من أن الأمسية غير مختلطة. هذه المرة اعتراض على النادي كله وليس ناتجاً عن حضور اسم أو اسمين. سبق هذا الإحراق بأيام قليلة إلغاء محاضرة للدكتور سلطان القحطاني حول النقد النسوي، ويبدو أن ذكر لفظة المرأة يثير الحساسية الذكورية لدى البعض مما يجعله يحرض على عمليات تستهدف أشخاصاً بعينهم أو مؤسسة رسمية. في نفس الوقت ألغيت في الجوف أيضاً مناظرة بين الشيخ المعروف الدكتور: محمد النجيمي والزميل العزيز الكاتب الدكتور: عبدالرحمن الحبيب حول المسرح.
قبل حوالي ثماني سنوات تقريباً كانت هناك أكثر من حادثة اغتيال وتصفية جسدية في الجوف طالت المقدم حمود الربيع ووكيل إمارة الجوف سابقاً الدكتور حمد الوردي والقاضي في المحكمة الجنائية الشيخ: عبدالرحمن السحيباني ـ رحمهم الله جميعاً ـ. قبل الحريق بساعات تصل إلى الهاتف المحمول لرئيس النادي إبراهيم الحميد رسالة تهديد بالقتل وتذكِّرُه بجاره حمود و\"ربعه\" أي الذين تم اغتيالهم وذكرناهم آنفاً. الشاب الذي قام بعملية الإحراق العام الماضي تم القبض عليه كما تم القبض على المحرضين، لكن القضية لم تنتهِ هنا ، إذ تكرر الفعل مرة أخرى والقائمة تطول كل يوم.
نادي الجوف الأدبي فتي ولم يمض على افتتاحه أربع سنوات كانت مليئة بالكثير من الصراعات والتهديدات التي تصل بين فترة وأخرى لرئيسه وأعضاء مجلسه. أعضاء مجلس الإدارة كلهم بلا استثناء تمت الموافقة على أسمائهم من قبل وزارة الثقافة والإعلام مما يعني أن النادي مؤسسة رسمية لها اعتبارها مهما كانت، ومن شكك في ذلك فإنما يشكك باختيار الوزارة ، إلا إذا كانت الوزارة ذاتها محل نظر، وهنا ندخل في سلسلة هرمية طويلة لا تنتهي عند اسم محدد مما يعني أن هناك مشكلة مع ذات المؤسسة الرسمية في البلد من قبل التيار الذي حرض على القتل أو الإحراق، والدليل رسالة التهديد التي تساوي بين رئيس النادي و العقيد والقاضي ووكيل الإمارة.
حينما كان خطاب التشدد يصارع خطابات الانفتاح والإصلاح ويلقي عليه الكثير من التهم كان البعض من الكتاب يحذر من مشكلة استفحال الموضوع وتعديه إلى مناطق أخرى لا تقف مطلقاً عند حدود الرأي ،لأنها ليست رأياً بقدر ما أنها حكم في الكفر أو الردة المبطنة، وهذا فيه استباحة للدم وبيان فعلي يسمح لأي محرض توجيه البوصلة نحو الهدف المرجو. التحريض ضد أبناء الملة الواحدة أو الوطن الواحد هو سلسلة تصل من القاعدة إلى رأس الهرم.
لما كانت عمليات التفسيق والتضليل والاتهامات سهلة على الكثير من الناس بحيث تطلق على كل من يخالف في الرأي راحت دائرة التفسيق والتضليل تتسع حتى صعب السيطرة عليها، والنار من مستصغر الشرر كما في البيت المشهور. إن من يختلف معك ثم يصل به الاختلاف إلى التشدد بحيث يرفض الفكرة من أساسها ولا يقبل باختلافها فإنه هنا يضعك في خانة التضليل كونك في ذهنيته المتشددة خارج عن مسلمة من المسلمات الدينية التي اعتقدها، في حين لا تعدو كونها مسألة خلافية فقهياً فضلا عن أمور الحياة الأخرى والتي هي من أمور البشر. هذا التشدد في المسائل الصغيرة يقود إلى تشدد أكبر منه لتصبح دائرة التضليل والتفسيق شاملة جميع من له وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر المتشدد.
وحينما يكون الوضع كذلك فإن أكثرية المجتمع سوف يدخل في صراع مع تيارات التشدد لا محالة ويبقى المثقف هو الأكثر عرضة للتهديد كونه من يحمل أفكاراً طليعية وتنويرية تهدم خطاب التشدد من أساسه؛ لذلك فإن أول مهمة يقوم بها خطاب التشدد هي تضليل الجميع وخلق هالة لتخويف الناس من خطاب المثقف التنويري حتى يضمن التبعية وحصار المثقف في مؤسساته الثقافية، وحتى هذه المؤسسات لم تعد في أمان الآن بعد أن تكررت عليها الكثير من العمليات وطبعا من أسهل شيء في الوجود هو حياة الناس إذ لا قيمة لها مطلقاً لدى البعض.
نادي الجوف دق ناقوس الخطر منذ أكثر من عام ولكن لم ينتبه أحد وظن الجميع أن المشكلة انتهت مع اعتقال الفاعلين والمحرضين. القضية ليست بهذا الشكل والحل الأمني على أهميته يبقى لحظياً مهما تمترسنا بأجسادنا وأفكارنا ومؤسساتنا خلفه نحتمي به. المسألة أبعد من ذلك بكثير.. المسألة خطر يهدد الجميع بدءاً من الفرد المثقف والفرد المواطن والفرد المسؤول، وفي الأخير المؤسسة الرسمية ذاتها وفي نهاية الأمر الوطن نفسه.
إن العمل الأولي في تفكيك التشدد هو أن نثق بالمثقف بحيث يقدم ذاته ثم ليطرح خطاباً متسامحاً، الثقة التي تجعلنا لا نمنعه من الرأي. لا أدعو بالطبع إلى تضحيات يقدمها المثقف سواء في الجوف أو في غيرها وإنما أدعو إلى فتح الفرصة أكثر للمثقف ليعطي رأيه في تفكيك ونقد الظاهرة مهما أوجعنا هذا النقد وتسمية الأشياء بمسمياتها، لأن الذي حصل في الجوف ليس حريقاً للثقافة فقط وإنما هو حريق تطال شرارته الوطن بأكمله، ولذلك كان من اللازم أن نعي أن لحظة المواجهة الثقافية مع فكر التشدد مستمرة وعملية دائمة لا تقف عند حد.
فقط يحتاج المثقف إلى الحماية على روحه وعلى فكره من أيادٍ عابثة ليس من أولوياتها مصلحة الوطن.
نقلا عن صحيفة الوطن
|
خدمات المحتوى
|
شتيوي الغيثي
تقييم
|